الجاحظ
227
المحاسن والأضداد
فقال له عظيم الطير : « قد أدركت عندنا بغيتك ، فأقم عندنا نواسك ، ونعرف حق مجاورتك » . فأقام الثعلب عند ملك الطير ؛ فكان يعرّفهم الثمار المدركة ، ويحفر لهنّ بمخاليبه قبورا في الأرض يفرخن فيها ؛ وكان الثعلب ، إذا جنّ عليه الليل ، وقرم إلى اللحم ، أدخل يده في جحر من تلك الأجحرة ، فأخرج طيرا أو فراخا ، فأكله ودفن ريشه ، وجعلت الطير تتفقد ما كان يأكل واحدا بعد واحد ، فقال بعضها لبعض : « ما فقدنا أفاضلنا إلّا منذ صارت هذه الدابّة بين أظهرنا ، وكانت هذه الطير تطيل الغيبة ، وما تدري ما دهاها » . فقال عظيمها : إن هذا حسد منكن لهذه الدابة ، فلا تغفلن ما أصبحتن فيه من فضل المطعم ، وما فيه فراخكن من هذه الأكفان التي لا يخاف عليها برد فيها ولا حر » ، فقالت الطير : « أنت سيّدنا ؛ وأبصر بالأمور منا » . قال : « وعليّ أن أقطع هذا القول ، وأبيّن حق ذلك من باطله بنفسي » . فلما أظلم الليل نزل من الشجرة ، فدخل بعض تلك الأكفان وأقبل الثعلب على العادة التي أعتادها إلى الكنّ ، فأدخل يده ، فقبض على رأس الملك ، فقال الملك للثعلب : « لقد نصحتني الطير لو قبلت نصحها » . قال الثعلب : « أنت هو » ؟ قال : « نعم » ، قال : « ما ظننت أن يبلغ حمقك كل هذا » ؟ قال ملك الطير : « دعني أردّك في منزلتك بحسب ما رأيت من فضل علمك ، ولطيف حيلتك » . قال له الثعلب : « إن أبويّ أدّباني أن لا أعلق أنيابي بشيء ، وأتركه ، إذ ليس من جهلك أن لا تتجزأ من الثمار ، ومن الأكفان ، بما كان آباؤك يكتفون به ؛ ولم ترض حتى اختبرت أمري بنفسك ، ولم تجعل التغرير في ذلك بغيرك » . ثم أكله ، ودفن ريشه ، وفقدت الطير عظيمها ، فاستوحشت ، وضربت وضربت الثعلب ضربا بمخاليبها ومناقيرها حتى قتلته ، ولم يصلن في عظيم خطر ملكهن إلى أكثر من قتل الثعلب » . فاحترس من هذه الهندية . قالت الهندية : « إنما تقرعين المرأة بأربعة رجال : بأبيها وأخيها وولدها وبعلها ، وأفضل النساء المختارة بعلها على جميع أهلها ، والمؤثرة له على